محمد كرد علي
32
خطط الشام
الأسطول [ بحرية الفينيقيين والعبرانيين والفراعنة : ] ليس في الأيدي نص يركن إليه لمعرفة اصطلاح شعوب الشام القدماء في بحريتهم . وسواحل هذه الديار المستطيلة الممتدة من العريش إلى خليج الإسكندرونة تحتاج في اتصالها إلى مراكب للتجارة وغيرها . ولم يعرف أن عظام الأنهار في الشام كالأردن والعاصي كانت تجري فيها سفن إلا الفرات فإنه كان يحمل مغادي وحراقات وجلبات تذهب وتجيء بين الشام والعراق . وأهم من عرف بمعاناة البحار أهل فينيقية سكان الساحل الأوسط وما كانوا أعظم شعب بحري درج على هذه الأرض فقط ، بل كانوا أعظم الشعوب القديمة في العالم جرأة على الأسفار في البحار ، وكانت أصولهم على الأرجح من شعوب بحارة جاءوا من البحرين في خليج فارس ونزلوا هذا الساحل الجميل فظهرت كفاءتهم في اختراق العباب في سالف الأحقاب . والصناعات في الناس تكون بالإرث أو ابنة البيئة ، والفينيقيون استوفوا هذين الشرطين فكانوا بحارة بالفطرة والبيئة ، بحارة بالتربية والحاجة . ومما ساعد الفينيقيين على إجادة صنع السفن كثرة الأخشاب في لبنان ولا سيما شجر الأرز الذي منه كانوا يصنعون مراكبهم الصغيرة والكبيرة . وكانت لهم شؤون ما عرفها غيرهم في السير والإسراء ، والإقلاع والإرساء ، يهتدون بنجمة القطب يستدلون بها على سمت الشمال . ولذلك كانوا يوغلون في البحار ، لا يخشون الأخطار ، حتى لقد اجتازوا البحر المتوسط إلى